Site de Sanaa El Aji

موقع سناء العاجي

  • RSS
  • Delicious
  • Digg
  • Facebook
  • Twitter

 

منذ بضعة أسابيع، تناقلت الجرائد خبرا متعلقا بقرار جديد أخذته حكومتنا الموقرة، يتعلق بمنع إشهار المواد الكحولية. لا أعرف كيف أصف هذا القرار. كلمة "الشعبوية" لم تعد تروق لي كثيرا… لكن الأكيد أن هذا القرار ليس ذكيا على الإطلاق. أرى من مكاني السيوف ترتفع لتقول، من جديد، إني سكيرة تدافع عن استهلاك الخمر. يذكرني هذا بوجبة عشاء مع أحد قياديي حزب العدالة والتنمية. طلب "مشروبا" لمرافقة العشاء فسألته مازحة: "مشروب حلال أم حرام؟". أجابني: "إنكم أقلية، صدقيني". من نكون "نحن"؟ هذه هي مشكلة "الإخوان" في العدالة والتنمية والعديد من مناصريهم: لإراحة ضمائرهم، فهم يحتاجون لوضعنا في خانات، وبأسرع ما يمكن. تدافع عن المثليين؟ إذن فأنت مثلي. تدافع عن الحريات الفردية؟ إذن فأنت كافر لا تصوم رمضان. تدافع عن "مهرجان موازين"؟ إذن فأنت تدعم اقتصاد الريع… يصنفون المجتمع بسرعة إلى صنفين. جزأين لا ثالث لهما. الصالح والطالح. المسلمون والكفار. حين تدافع عن حق الآخر في الاختلاف، فأنت بالضرورة تدافع عن الفساد. حين ترفض الوصاية، فأنت كافر يرفض الدين ويشجع على الكفر. يُخرجون بسرعة عبارات من قبيل: "من يرفض الآذان في التلفزيون؟"، "من يريد أن يشجع استهلاك الخمر؟"، "من يريد أن يشجع القمار؟"،… وبسهولة كبيرة، قد يسألوننا في غد قريب: "من الكافر ومن المسلم؟".

أجبته يومها بأني لا أستهلك المواد الكحولية، لأسباب شخصية تتعلق بالمذاق. أسباب لا علاقة لها بالإيديولوجية. أسباب تجعلني، بالضرورة، أحترم حق من يريد أن يستهلك المواد الكحولية ومن يريد أن يمارس مثليته الجنسية ومن يريد أن يلعب القمار وهلم جرا. وهذا بالضبط هو الفرق بين من يؤمن بالحرية بشكل شامل، سيدي، وبين من يريد أن يفرض تصوره الخاص للخير ولمدينة فاضلة لا وجود فيها لكل ما يعتبره سيئا. مدينة فاضلة لا توجد في الواقع إلا في خيال البعض لأن التاريخ لا يذكرها لنا في حقبة ما.

لكني اليوم أريد أن أسال السيد عبد الإله بنكيران ورفاقه (أو إخوانه؟) في الحكومة الحالية: هل تعلمون أن بلدان كثيرة، بما فيها العديد من البلدان غير الإسلامية، تقنن الإعلانات عن المواد الكحولية وتقنن أيضا بيعها واستهلاكها؟ الأمر نفسه يمكن أن نقوله عن قرار حكومتنا المبجلة بمنع إشهار ألعاب الحظ على التلفزيون العمومي. بلدان علمانية أخرى تقنن إشهارات ألعاب الحظ (عدم البث خلال الفقرات المخصصة للأطفال والمراهقين، … إلخ).

المشكلة الأساسية التي تعترضني مع بعض قرارات الحكومة الحالية، هي الصبغة الإيديولوجية التي تطبع بها قراراتها: سنمنع إشهار الحكول لأنه حرام. سنمنع إشهار ألعاب الحظ لأن القمار حرام. هل الحرام هو الفعل نفسه أم الحرام هو إشهاره؟ هذا سؤالي الأولي والمركزي. 

المفروض أن المواد الكحولية لا تُباع اليوم في المغرب للمسلمين (المفروض طبعا… لأن الواقع شيء آخر). لماذا إذن نريد منع إشهار منتوج "حرام" لا يستهلكه، في المطلق، أي مسلم في بلدنا الكريم؟ هو إما اعتراف ضمني بواقع مجتمعنا (وبأن المنع القانوني لا يؤدي إلى المنع الفعلي مجتمعيا)، وإما مجرد قرار أجوف جديد نتخذه بمعزل عن أية استراتيجية مجتمعية بعيدة المدى. هل سنعالج مشاكلنا الحقيقية أم سنعالج بعض مظاهرها (السطحية)؟ هل سننظر إلى القمر أم إلى أصبع الحكيم الذي يشير إلى القمر؟ 

هي مشكلة رؤية استراتيجية لما نريده في الغد. وهو ما يظهر جليا في هذه القرارات المتفرقة لحكومتنا العزيزة. قرارات تصب في خانة: "نحن أناس طيبون نريد تطبيق الدين في هذا البلد الكافر".

أنا باحثة سيدي. لا أؤمن بالمدينة الفاضلة ولا بالنفس الطاهرة. أؤمن بالواقع. أؤمن بالعقل. وأؤمن بالذكاء البشري وبالطبيعة الإنسانية التي تجعل كل ممنوع مرغوب. امنعوا بيع المواد الكحولية لتطورا السوق السوداء (الكرابة). امنعوا ألعاب الحظ لتطوروا سوقا موازية. نعم لتقنين كل هذه الأمور (منع الاستهلاك قبل سن معينة، تشديد العقوبات الحبسية في حالة عدم احترام القوانين اللازمة والموجبة…). نعم للتوعية بمخاطر التجاوزات. نعم للمواكبة المدرسية والنفسية. لكن لا للمنع المطلق لأننا لسنا قاصرين ننتظر منكم أن تلهمونا لطريق الخير وتبعدونا عن طريق الشر. نرفض الوصاية ونرفض أن يختار لنا الآخر أسلوب حياتنا بناء على معايير اختارها هو.

لسنا تيارا فاسدا ولا مفسدا. نحن أناس نؤمن بالحريات الفردية. بل أكثر من ذلك: نؤمن بذكاء المغاربة القادرين على الاختيار بمفردهم. الاختيار بين توجهات كثيرة جدا ومتعددة، وليس فقط بين الخير والشر. نؤمن بشكل خاص بأن المغاربة ينتظرون الكثير من حكومتهم. أكثر من مجرد قرارات متفرقة لا تزيد الصورة إلا ضبابية. 

 

سناء العاجي

تم نشر هذا المقال في جريدة الصباح يوم الخميس 7 يونيو 2012

قراءة مقالات أخرى لسناء العاجي

الاستماع لفقرات الرأي الإذاعية

 Lire la version française traduite et diffusée par www.panoramaroc.ma